لسان الدين ابن الخطيب
368
الإحاطة في أخبار غرناطة
وفاته : ركب « 1 » البحر قاصدا الحج ، فتوفي شهيدا في البحر ؛ قتله الرّوم بمرسى تونس مع جماعة من المسلمين ، صبح يوم الأحد ، في العشر الوسط من شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة « 2 » . عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الأنصاري يكنى أبا بكر ، ويعرف بابن الفصّال . حاله : هذا الرجل فاضل عريق في العدالة ، ذكيّ ، نبيل ، مختصر الجرم ، شعلة من شعل الإدراك ، مليح المحاورة ، عظيم الكفاية ، طالب متقن . قرأ على مشيخة بلده ، واختصّ منهم بمولى النعمة على أبناء جنسه ، أبي سعيد ابن لب ، واستظهر من حفظه كتبا كثيرة ، منها كتاب التفريع في الفروع ، وارتسم في العدول ، وتعاطى لهذا العهد الأدب ، فبرّز في فنّه . أدبه : مما جمع فيه بين نظمه ونثره ، قوله يخاطب الكتّاب ، ويسحر ببراعته الألباب : [ الطويل ] لعلّ نسيم الريح يسري عليله * فأهدي صحيح الودّ طيّ سقيم لتحملها عنّي وأزكى تحية * لقيت « 3 » ككهف مانع ورقيم ويذكر ما بين الجوانح من جوى * وشوق إليهم مقعد ومقيم يا كتّاب المحلّ السامي ، والإمام المتسامي ، وواكف الأدب البسّامي ، أناشدكم بانتظامي ، في محبّتكم وارتسامي ، وأقسم بحقّكم عليّ وحبّذا إقسامي ، ألا ما أمددتم بأذهانكم الثاقبة ، وأسعدتم بأفكاركم النّيرة الواقبة ، على إخراج هذا المسمّى ، وشرح ما أبهمه المعمّى ، فلعمري لقد أحرق مزاجي ، وفرّق امتزاجي ، وأظلم به وهاجي ، وغطّى على مرآة ابتهاجي ، فأعينوني بقوة ما استطعتم ، وأقطعوني من مددكم ما قطعتم ، وآتوني بذلك كلّه إعانة وسدّا وإلّا فها هو بين يديكم ففكّوا غلقه ، واسردوا خلقه ، واجمعوا مضغه المتباينة وعلقه ، حتى يستقيم جسدا قائما بذاته ، متّصفا بصفاته المذكورة ولذّاته ، قائلا بتسلّيه أسلوبا ، مصحفا كان أو مقلوبا . وإن تأبّى عليكم وتمنّع ، وأدركه الحياء فتستّر وتقنّع ، وضرب على آذان الشّهدا ، وربط على قلوبهم من الإرشاد له والاهتداء ، فابعثوا أحدكم إلى
--> ( 1 ) قارن بالتكملة ( ج 3 ص 30 ) . ( 2 ) في التكملة : « فاستشهد بمرسى تونس في آخر سنة 576 ) . ( 3 ) في الأصل : « لقيته كهف » وكذا لا يستقيم الوزن ولا المعنى .